الأنماط البنيوية الأربعة التي تُضعف الحكم الذاتي قبل أن يولد… تشخيص داخلي للواقع الصحراوي

 

بعيداً عن الدبلوماسية والدساتير، هناك أنماط مؤسسية موروثة تُفسد الحكم الذاتي من الداخل: النيو-قبلية، والإدارة بمنطق الأمن، واللامركزية بلا مال، وغياب البيانات. كيف تُعالج دون صدمة؟ تحليل بنيوي بعد القرار 2797.

بوابة الموظف

في صباح ربيعي عام 2023، وقفتُ أمام بوابة مؤسسة عمومية في إحدى مدن الأقاليم الجنوبية. لم يكن الانتظار طويلاً بسبب الإجراءات، بل بسبب البوابة نفسها: موظف يعرف الجميع بالاسم، يُرشد هذا إلى فلان، ويُحذر ذاك من علان، ويُدخل من يستحق — حسب مقياسه الخاص — دون موعد رسمي.
هذا المشهد، الذي قد يبدو عادياً في كثير من المناطق، هو في الواقع خلل بنيوي يُهدد أي مشروع حكم ذاتي قبل أن يبدأ. فالحكم الذاتي لا يُبنى بالدساتير فحسب، بل يُبنى — أو يُهدم — بالأنماط اليومية للإدارة والمجتمع.
في المقالات السابقة، تحدثنا عن الثغرات الدستورية والقانونية. لكن هناك طبقة أخرى أعمق: الأنماط البنيوية الموروثة التي تجعل الحكم الذاتي، حين يُطبق، يعمل لصالح النخبة لا لصالح المواطن.

السؤال المحوري: لماذا يفشل الحكم الذاتي حتى قبل أن يولد؟

التاريخ المؤسسي للأقاليم الجنوبية — كمناطق حدودية، وكفضاءات أمنية، وكمساحات تنافسية — خلق أنماطاً سلوكية وإدارية لا تتلاشى بتوقيع مرسوم أو تعديل دستور. هذه الأنماط، إذا لم تُعالج، ستُفسد الحكم الذاتي من الداخل، مهما كانت النصوص راقية.
التحليل يكشف عن أربعة أنماط موثقة:

النمط الأول: النيو-قبلية كنظام توزيع

في الأقاليم الجنوبية، كما في كثير من المجتمعات، لا تسير الفرص دائماً عبر المعايير الموضوعية. بل تسير عبر شبكات القرابة والولاءات القبلية. الموظف يُعين قريبه. المناقصة تذهب لابن العم. الترقية تمر بـ«الشيخ» أو «الكبير».
هذا النمط ليس «فساداً» بالمعنى القانوني التقليدي. بل هو نظام توزيع اجتماعي يملأ فراغ الدولة في المناطق التي لم تستطع الوصول إليها بمؤسساتها العادلة. لكنه، في الوقت ذاته، يُضعف الحكم الذاتي: فالبرلمان الجهوي، حين يُنتخب، قد يتحول إلى ساحة لتقاسم الفرص بين القبائل لا إلى هيئة تشريعية. والموارد، حين تُوزع، قد تذهب إلى «الأقارب» لا إلى «الأحقين».
التوصية: ليس الحل في «القضاء على القبلية» — فهذا مستحيل وغير مرغوب. بل في تدريجية إدخال المعايير الموضوعية: شفافية في التوظيف، نشر للمناقصات، تدريب للإداريين. التغيير تدريجي لا صدمة.

النمط الثاني: الإدارة بمنطق الأمن

لعقود، عُولجت الأقاليم الجنوبية كـ«فضاء أمني» قبل أن تكون «فضاء تنموياً». هذا المنطق، رغم ما قدمه من استقرار، خلق ثقافة إدارية تُعامل فيها المطالب الاجتماعية — التظاهر، الاحتجاج، المطالبة بالخدمات — كـ«تهديدات محتملة» تحتاج إلى «تسكين» لا إلى «معالجة».
النتيجة: المواطن الذي يطالب بمستشفى أو بمدرسة أو بماء صالح للشرب يُصنف أحياناً في خانة «المُقلقين»، لا في خانة «المواطنين أصحاب الحق». وهذا المنطق، حين يستمر في ظل الحكم الذاتي، يُجهضه: فالحكم الذاتي يفترض أن المطالب المحلية تُعالج محلياً، لا أن تُحول إلى مركز الأمن.
التوصية: فصل واضح بين جهاز إداري-تنموي وجهاز أمني. الأول يستقبل المطالب ويُعالجها. الثاني يحافظ على النظام. والخط الفاصل بينهما يجب أن يكون مرسوماً بقانون، لا مُتركاً لتقديرات الميدان.

النمط الثالث: اللامركزية بلا استقلالية مالية

هذا النمط هو الأكثر تدميراً. فالأقاليم الجنوبية، نظرياً، تملك صلاحيات على الورق. لكن القرار يأتي من الوالي المعيَّن، أو من الوزارة الوصية، أو من الميزانية المركزية. الجهة «تملك» لكنها لا «تستطيع». تُصدر قرارات لكنها لا تملك الموارد لتنفيذها.
هذا يخلق لامركزية صورية: مباني جميلة، ومجالس منتخبة، وقرارات تُتخذ… لكن الخيط يبقى في اليد المركزية. والمواطن، في النهاية، يرى أن «لا شيء تغيّر»، فيتحول من مؤيد للحكم الذاتي إلى مُشكك في جدواه.
التوصية: نسبة دستورية من عائد الموارد الطبيعية تعود للإقليم. ليس تفضلاً، بل حقاً. والحق الدستوري هو الوحيد الذي لا يتغير مع الوزير أو مع الوالي.

النمط الرابع: غياب البيانات يعني غياب المحاسبة

لا يوجد في الأقاليم الجنوبية مكتب إحصاء محلي مستقل يُقدم بيانات موثوقة عن التعليم، والصحة، والبطالة، والفقر، والهجرة. والنتيجة: كل طرف يُقدم أرقامه الخاصة. الحكومة تتحدث عن «إنجازات». المعارضة تتحدث عن «تجاهل». والمواطن لا يعرف الحقيقة.
غياب البيانات يعني غياب المحاسبة. وغياب المحاسبة يعني غياب الثقة. والحكم الذاتي، مهما كانت نصوصه جميلة، لا يمكن أن يقوم على ثقة مفقودة.
التوصية: إنشاء مكتب إحصاء جهوي مستقل، يقيس ويُقيّم ويُصدر تقارير دورية عامة. الشفافية الإحصائية شرط أي ثقة. ومن لا يُقاس لا يُحاسَب.

الحكم الذاتي يبدأ من الأسفل لا من الأعلى

«الحكم الذاتي المبني على مراسيم يُولد هشّاً. لكنه أيضاً يُولد فاسداً إذا لم تُعالج الأنماط البنيوية التي تُفسده من الداخل.»
الدساتير والقوانين ضرورية، لكنها ليست كافية. فالمواطن الصحراوي لا يقرأ الدستور كل صباح. بل يتعامل مع الإدارة، ومع شبكات القرابة، ومع غياب البيانات. وإذا بقي هذا الواقع كما هو، فإن الحكم الذاتي — مهما كانت نصوصه راقية — سيتحول إلى ريع جديد للنخبة، لا إلى عدالة للجميع.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق