الحكم الذاتي بلا استقلالية مالية هو مجرد لامركزية إدارية. ما المعادلة المقترحة لتوزيع عائدات الفوسفات والصيد والطاقة المتجددة؟ وما هي ضمانات الشفافية التي تُحول الوعد إلى التزام دستوري؟ تحليل تقني بعد القرار 2797.
ميزانية غير منشورة
في صيف عام 2024، طلب أحد الفاعلين الجمعويين في العيون، عبر مسار قانوني طبيعي، الاطلاع على ميزانية جهوية تخص قطاعاً حيوياً. الجواب جاء بعد أشهر: «المعلومات غير متوفرة». لم يكن الطلب مرفوضاً بشكل صريح. بل كان مُعطّلاً بـ«غياب البيانات».
هذا المشهد يُجسد الخلل المالي المركزي الذي يُضعف أي مشروع حكم ذاتي. فالجهة التي لا تعرف مواردها، ولا تملك صلاحية توزيعها، ولا تستطيع محاسبة من يصرفها، هي جهة «ورقية» لا أكثر. والمواطن الذي لا يرى أثر موارد أرضه في مدينته يتحول، تدريجياً، من مؤيد للوحدة إلى مُشكك في جدواها.
بعد القرار 2797، لم يعد السؤال: «هل نمنح صلاحيات؟» بل: «كيف نضمن أن الموارد الطبيعية الهائلة في الصحراء تعود فعلاً لسكانها — لا في خطاب بل في ميزانية مُؤطَّرة دستورياً؟»
السؤال المحوري: ما الفرق بين الوعد والالتزام؟
الخطاب الرسمي، منذ عقود، يتحدث عن «التنمية في الأقاليم الجنوبية». لكن التنمية التي لا تُقاس بالأرقام ولا تُحاسب بالميزانيات تبقى وعداً. والوعد، في عالم المال العام، قابل للتأجيل والتغيير والنسيان.
الاستقلالية المالية الحقيقية ليست «هبة» من المركز. بل هي حق دستوري يضمن للجهة نسبة محددة من عائدات مواردها، تُديرها بنفسها، وتُصرفها وفق أولوياتها. بدون هذا الحق، يبقى الحكم الذاتي مجرد «لامركزية إدارية» يرأسها مسؤولون مركزيون.
المعادلة المالية المقترحة: أرقام واضحة
التحليل التقني يقترح معادلة توزيع محددة لأهم الموارد في الأقاليم الجنوبية:
Table
| المورد | النسبة للجهة | النسبة للمركز | الإطار |
|---|---|---|---|
| الفوسفات | 60% | 40% | عائد صافٍ بعد التكاليف |
| الصيد | 70% | 30% | رسوم التراخيص كاملةً |
| الطاقة المتجددة | 50% | 50% | عائد التصدير |
| السياحة | 80% | 20% | رسوم وضرائب محلية |
لماذا هذه النسب؟
الفوسفات: مورد استراتيجي وطني يحتاج إلى بنية تحتية ضخمة وتسويق دولي. لذا تبقى نسبة 40% للمركز تكفي لتغطية هذه التكاليف والاستثمارات الوطنية. أما 60% للجهة فتضمن عائداً تنموياً مستداماً.
الصيد: مورد محلي بامتياز. الأسطول الصيدي يعمل في المياه الإقليمية، والموانئ محلية، والعمالة محلية. لذا تستحق الجهة 70% من رسوم التراخيص.
الطاقة المتجددة: مشروع مشترك يحتاج إلى شبكات نقل وطنية وتمويل دولي. التوزيع بالتساوي (50-50) يعكس الطبيعة المشتركة للاستثمار.
السياحة: نشاط محلي بالكامل تقريباً. الفنادق والمطاعم والخدمات واليد العاملة محلية. لذا تستحق الجهة 80% من الرسوم والضرائب المحلية.
ثلاث ضمانات للشفافية: من القول إلى الفعل
المعادلة، مهما كانت عادلة، تبقى هشة إذا لم تُرفق بضمانات شفافية. فالفساد لا يأتي دائماً من «السرقة»، بل غالباً من «غياب المحاسبة».
الضمانة الأولى: تقرير مالي جهوي سنوي منشور علنياً
يجب أن ينشر البرلمان الجهوي، في بداية كل سنة، تقريراً مالياً شاملاً يوضح: الموارد التي تحصلت عليها الجهة، المصاريف التي صُرفت، المشاريع التي أُنجزت، والديون إن وُجدت. هذا التقرير يجب أن يكون متاحاً للجميع، لا مجرد وثيقة إدارية مغلقة.
الضمانة الثانية: هيئة مستقلة للمراجعة
تُشكل هيئة مراجعة مالية مستقلة تضم أعضاء محليين ووطنيين ودوليين. هذه الهيئة تُدقق الحسابات سنوياً وتُصدر تقريراً علنياً. وجود مراقب دولي ليس «تدخلاً»، بل هو شهادة مصداقية تُعطي المستثمر والمواطن على السواء ثقة في النظام المالي الجهوي.
الضمانة الثالثة: حظر دستوري على استخدام الميزانية لأغراض سياسية
يجب أن يُدرج في الدستور نص صريح يحظر استخدام موارد الجهة لأغراض حزبية أو انتخابية أو سياسية ضيقة. الميزانية الجهوية هي مال عام يعود للسكان، لا أداة للولاءات والتوزيعات. هذا الحظر الدستوري هو السور الذي يحمي الموارد من الاستغلال.
الرابط بالتعديل الدستوري: الحصة المضمونة
في المقالة السابقة، تحدثنا عن التعديل الدستوري الثاني المقترح: «تتمتع الجهة ذات الحكم الذاتي الموسّع بحصة دستورية من عائدات مواردها الطبيعية… ولا يجوز تعديلها إلا باتفاق بين البرلمان الوطني والبرلمان الجهوي.»
هذا النص هو الحلقة المركزية في سلسلة الاستقلالية المالية. فبدونه تبقى المعادلة المالية مجرد «اقتراح» قابلاً للتغيير بكل موازنة جديدة. أما معه، فتصبح حقاً لا يتجزأ إلا بإجماع الطرفين.
«المعادلة المالية تبقى هشّة إذا لم تكن مُؤطَّرة بالتعديل الدستوري الثاني. الحصة المالية المضمونة دستورياً هي الفارق بين الوعد والالتزام.»
لماذا هذا يهم المواطن العادي؟
المواطن الصحراوي لا يقرأ الموازنات. لكنه يرى:
- الطريق التي تربط قريته بالمدينة: هل هي معبدة أم مُهملة؟
- المستشفى الذي تذهب إليه زوجته: هل فيه طبيب أم هو بناء فارغ؟
- المدرسة التي يدرس فيها ابنه: هل فيها كتب أم فصول مكتظة؟
- الميناء الذي يعمل فيه أخوه: هل يستفيد منه السكان أم تذهب عائداته إلى خزينة بعيدة؟
الاستقلالية المالية هي التي تُحوّل الإجابة على هذه الأسئلة من «لا» إلى «نعم». وهي التي تُحوّل الحكم الذاتي من «كلمة» إلى «طريق معبدة ومستشفى مجهز ومدرسة نموذجية».
العدالة المالية شرط الوحدة
«الحكم الذاتي الذي لا يرى فيه المواطن أثراً مالياً في حياته اليومية هو حكم ذاتي ميت. والموارد التي تخرج من الإقليم ولا تعود إليه هي وقود للانفصال لا للوحدة.»
الاستقلالية المالية ليست «تفكيكاً» للاقتصاد الوطني. بل هي إعادة توازن بين ما تُعطيه الجهة للدولة وما تسترده. فالدولة المغربية الموحدة تبقى قوية حين تكون جهاتها قوية. والجهة القوية مالياً هي جهة موالية لأنها تجد في الوحدة أكثر مما تجده خارجها.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق