أربعة تعديلات دستورية لإنقاذ الحكم الذاتي في الصحراء المغربية… بين تعزيز السيادة وترسيخ العدالة

 

لماذا الحكم الذاتي المُقنع يستلزم تعديلاً دستورياً؟ أربعة تعديلات محددة: المادة الأولى، وحصة الموارد، واللغة الحسانية، والتشاور الإلزامي. نصوص جاهزة ومسار دستوري مقترح بعد القرار 2797.

ورقة بيضاء في لجنة دستورية

تخيّل لحظة تاريخية: لجنة دستورية مختلطة تجلس في قاعة بالرباط. على يسارها خبير دستوري من الشمال، وعلى يمينها ممثل منتخب من الجنوب. بينهما ورقة بيضاء. السؤال ليس: «هل نُعدّل الدستور؟» بل: «كيف نُعدله دون أن نُفرّق، ودون أن نُبقي الظلم؟»
هذه اللحظة ليست خيالاً. بل هي مرحلة ضرورية في مسار الحكم الذاتي المُرسَّخ. فبعد أن تبيّن لنا، في المقالات السابقة، أن مقترح 2007 وثيقة دبلوماسية غير كافية، وأن دستور 2011 يحمل ثغرات بنيوية، وأن الأنماط المؤسسية تُفسد الحكم الذاتي من الداخل… يصبح السؤال ملحاً: ما التعديلات الدستورية الضرورية؟
هذا التحليل لا يطرح «رؤى». بل يقدم نصوصاً محددة ومساراً دستورياً يمكن أن يُحوّل الحكم الذاتي من وعد إلى عقد اجتماعي راسخ.

المبدأ الحاكم: التعديل الدستوري ليس تنازلاً… بل تعزيزاً

قبل الدخول في التفاصيل، يجب توضيح مبدأ أساسي: التعديل الدستوري ليس تنازلاً عن السيادة — هو تعزيزها. الدستور الذي يُؤطّر الحكم الذاتي الصحراوي قانونياً أقوى وأكثر استدامةً من الحكم الذاتي المبني على مراسيم يمكن إلغاؤها في أي لحظة.
المرسوم يولد هشّاً. الدستور يولد راسخاً. والراسخ هو وحده الذي يُقنع المواطن ويُهدئ الانفصالية.

التعديل الأول: المادة الأولى — تمييز دستوري للأقاليم الجنوبية

النص الحالي:
«التنظيم الترابي للمملكة لا مركزي مبني على الجهوية المتقدمة.»
المشكلة: لا يوجد تمييز بين الجهوية العادية والحكم الذاتي الموسّع. والنتيجة: الصحراء تُعامل كأي جهة أخرى.
النص المقترح (إضافة فقرة):
«تتمتع الأقاليم الجنوبية بنظام جهوي ذاتي الحكم موسّع يُحدَّد بقانون تنظيمي خاص يصدر وفق الالتزامات الدولية للمملكة.»
لماذا؟ يُعطي الأساس الدستوري للتمييز بين الجهوية العادية والحكم الذاتي الموسّع، دون المساس بمبدأ الوحدة. وهو يُشير صراحةً إلى «الالتزامات الدولية»، مما يُرسّخ الشرعية الدولية للنموذج المغربي.

التعديل الثاني: مادة جديدة — الحصة الدستورية من الموارد

النص الحالي: لا يوجد. الدستور لا يضمن للجهات أي حصة من مواردها الطبيعية.
المشكلة: الاستقلالية المالية ضعيفة. الجهات تتلقى 1% من ضريبة الشركات و1% من الضريبة على الدخل. لا حصة من الفوسفات أو الصيد أو الطاقة.
النص المقترح (مادة جديدة في باب الجهات):
«تتمتع الجهة ذات الحكم الذاتي الموسّع بحصة دستورية من عائدات مواردها الطبيعية تُحدَّد بالقانون التنظيمي الخاص ولا يجوز تعديلها إلا باتفاق بين البرلمان الوطني والبرلمان الجهوي.»
لماذا؟ بدون هذا النص الدستوري تبقى الاستقلالية المالية وعداً تنفيذياً قابلاً للإلغاء في أي موازنة. أما الحصة الدستورية فهي الفارق بين الوعد والالتزام. وشرط «الاتفاق بين البرلمانين» يضمن أن لا جهة واحدة تُقرر وحدها.

التعديل الثالث: المادة 5 — الاعتراف باللغة الحسانية

النص الحالي:
«العربية والأمازيغية لغتان رسميتان.»
المشكلة: الحسانية غائبة كلياً رغم أنها هوية ثقافية مستقلة لا تندرج تحت الأمازيغية.
النص المقترح (إضافة):
«اللغة الحسانية تُعترَف بها لغةً رسمية في الأقاليم الجنوبية وتتمتع بالحماية والتنمية في إطار التنظيم الخاص بهذه الأقاليم.»
لماذا؟ الاعتراف الدستوري باللغة أقوى اعتراف بالهوية. يُجيب مباشرةً على شرط الكرامة الذي يطلبه المواطن. والصياغة «في إطار التنظيم الخاص» تربط الاعتراف بالحكم الذاتي دون أن تُفرض اللغة على بقية المملكة.

التعديل الرابع: آلية التشاور الإلزامي

النص الحالي: لا يوجد نص دستوري يُلزم البرلمان الوطني بالتشاور مع الجهة قبل إصدار قوانين تمسها.
المشكلة: الحكومة المركزية يمكن أن تُجاز قانوناً يمس صلاحيات الجهة دون أخذ رأيها.
النص المقترح:
«كل مشروع قانون يمسّ الصلاحيات الخاصة بالأقاليم الجنوبية يستوجب رأياً ملزماً للبرلمان الجهوي قبل عرضه على البرلمان الوطني.»
لماذا؟ بدون هذا النص يمكن للحكومة المركزية تجاوز الحكم الذاتي بتشريع عادي. أما الرأي الملزم فيجبر المركز على الحوار لا على الإملاء.

مسار التعديل الدستوري المقترح

التعديلات لا تُقرّ بنقرة زر. بل تحتاج إلى مسار مؤسسي يُعطيها الشرعية الشعبية والدولية:
Table
المرحلةالإجراءالجهةالتوقيت
الأولىخطاب يُعلن المراجعة الدستورية المرافقة للحكم الذاتيالملك2026
الثانيةلجنة دستورية مختلطة (خبراء وطنيون + ممثلو الجهات الجنوبية)الحكومة2026-2027
الثالثةعرض مشروع التعديل على البرلمانالبرلمان2027
الرابعةاستفتاء شعبيالشعب2027-2028

لماذا الاستفتاء ضرورة لا ترف؟

الحكم الذاتي الذي يُصادق عليه الشعب المغربي كله — في شمال البلاد وجنوبها — يختلف جوهرياً عن الحكم الذاتي الممنوح بمرسوم.
الأول عقد اجتماعي راسخ. الثاني هبة قابلة للسحب.
«المغربي من الرباط حين يُصوّت لتعديل يُعطي الصحراوي حقوقاً موسّعة — يُصبح شريكاً في هذا الحكم الذاتي لا مُكرَهاً عليه.»
هذا الشرط النفسي والسياسي غالباً ما يُغفل. فالوحدة التي تُبنى بالاستفتاء تختلف عن الوحدة التي تُفرض بالإدارة.

الدستور الذي يضمن لن يُهدَم

الأربعة تعديلات ليست «تفاصيل تقنية». بل هي العمود الفقري لأي حكم ذاتي يُقنع. فبدون تمييز دستوري للوضع الخاص، يبقى الحكم الذاتي مجرد جهوية عادية. وبدون حصة مالية مضمونة، يبقى الوعد مجرد خطاب. وبدون اعتراف باللغة، تبقى الكرامة مُهمَشة. وبدون تشاور إلزامي، يبقى الصوت مُصادراً.
«الاستقلال يُعطي علماً ونشيداً. الحكم الذاتي الجيد يُعطي لغةً وعائداً وصوتاً. والدستور الذي يُرسّخها يُعطي شيئاً أثمن من كل ما سبق: الطمأنينة أن ما بُني لن يُهدَم.»

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق