هل الانفصالي يريد دولةً حقاً؟ أم يريد شيئاً آخر تُقدّمه الدولة كرمز له؟ البحث السوسيولوجي يكشف ثلاثة دوافع جوهرية: الكرامة، والعدالة، والصوت. درس كاتالونيا وكيف تحول المطلب من الحكم الذاتي إلى الانفصال حين جُرحت الكرامة.
سؤال بسيط… وجواب معقد
في إحدى ليالي شتاء 2024، جلس باحث سوسيولوجي مغربي مع مجموعة من الشباب في مقهى بالعيون. سألهم سؤالاً واحداً مباشراً: «ماذا تريدون فعلاً؟»
لم يُجب أحد بـ«دولة مستقلة». بل قال أحدهم: «أريد أن يُسمّى ابني باسم حساني دون أن ينظر إليه المدرس كأنه قادم من كوكب آخر». وقال آخر: «أريد أن أرى فوسفات بلادي يُبنى به مستشفى هنا لا شقة في الرباط». وقال ثالث: «أريد أن أصوت لمن يُقرر في شؤوني، لا لمن يُرسل إلينا من العاصمة».
هذه الإجابات الثلاث — الكرامة، والعدالة، والصوت — هي بؤرة هذا التحليل. فقبل تصميم أي حل تقني أو دستوري، يجب أن نفهم ما الذي يريده الانفصالي فعلاً. ليس ما يقوله في المنابر السياسية، بل ما يتمناه في صمت مقهى السمارة.
السؤال المحوري: دولة… أم رمز؟
الخطاب السياسي التقليدي يفترض أن الانفصالي يريد «دولة». لكن البحث السوسيولوجي الميداني — في الصحراء وفي حالات مقارنة — يكشف أن هذا الفرض خاطئ في الغالب الأعم. فالانفصالي، في جوهره، لا يريد دولةً بحد ذاتها. بل يريد ثلاثة أشياء تُقدمها الدولة في الخيال الجمعي كرمز:
الكرامة: الاعتراف بهويته كاملةً — لغةً وثقافةً وتاريخاً — لا كمواطن درجة ثانية.
العدالة: أن تعود ثروة أرضه إليه وإلى أبنائه، لا أن تمر فوق رأسه نحو مكان آخر.
الصوت: أن يُقرر شؤونه المحلية بنفسه، لا أن تُقرر عنه من عاصمة بعيدة.
هذه الثلاثة ليست «مطالب انفصالية» بالضرورة. بل هي مطالب إنسانية يمكن أن تُحقق داخل دولة موحدة، إذا أُحسن تصميم الحكم.
درس كاتالونيا: حين تتحول الكرامة إلى انفصال
في 2006، وافقت إسبانيا على «نظام الحكم الذاتي» لكاتالونيا بأغلبية ساحقة في الاستفتاء. كان المطلب قد تحقق نظرياً: كاتالونيا تملك برلماناً، وحكومة، ولغة رسمية، وشرطة خاصة، ونظاماً تعليمياً مستقلاً.
لكن في 2010، قضت المحكمة الدستورية الإسبانية بعدم دستورية أجزاء أساسية من هذا النظام. وفي 2017، انفجرت أزمة الاستفتاء الانفصالي.
ما حدث؟ هل تحول الكاتالونيون فجأة من مؤيدي الحكم الذاتي إلى انفصاليين؟
الإجابة: لا. بل تحول المطلب من العدالة والصوت إلى الانفصال، ليس لأن الناس أرادوا دولةً، بل لأن الكرامة جُرحت والصوت سُرق والعدالة غابت. حين رفعت إسبانيا الحكم الذاتي الذي منحته، لم يعد أمام الكاتالونيين — في تصورهم — سوى خيار الدولة.
الدرس: الحكم الذاتي الجيد يُهدئ الانفصالية. والحكم الذاتي الجامد يُذكيها.
تطبيقه على الصحراء: ما الذي يفقده الصحراوي؟
الصحراوي الذي ينظر إلى الواقع اليومي يرى:
الكرامة مهضومة: لغته الحسانية غائبة عن التعليم الرسمي وعن الدستور. تاريخه يُدرّس، إن وُجد، كملحق لا كجزء من التاريخ الوطني. هويته تُسأل أحياناً كـ«شك» لا كـ«يقين».
العدالة مُغيّبة: فوسفات الصحراء يُدرّ عائدات ضخمة، لكنها لا تُترجم — في تصور السكان — إلى مستشفيات ومدارس في العيون والداخلة والسمارة. الثروة تمر فوق الرأس.
الصوت مُصادر: القرارات التي تمس التعليم والصحة والتشغيل تُتخذ في الرباط. والجهة، رغم مجلسها، تتلقى القرار لا تُشارك في صياغته.
هذا الثلاثي — الجرح والغياب والصادر — هو ما يُنتج الانفصال. والانفصال، في هذه الحالة، ليس هدفاً بحد ذاته، بل هو رد فعل على فشل الحكم الذاتي في تلبية الحاجات العميقة.
الحكم الذاتي الذي يُقنع: ليس الأكبر… بل الأصدق
الاستنتاج السوسيولوجي يُغيّر المعادلة كلياً. فالحكم الذاتي الذي يُقنع الصحراوي ليس بالضرورة الذي يُعطي «أكبر صلاحية رسمية». بل هو الذي يُحقق الثلاثة معاً في الحياة اليومية للمواطن العادي.
الصحراوي لا يريد برلماناً جهوياً إذا كان مجرد صورة. ولا يريد لغةً في الدستور إذا لم تدخل المدرسة. ولا يريد نسبةً من الفوسفات إذا لم يرَ أثرها في طريقه ومستشفاه.
«الحكم الذاتي الذي يُقنع ليس الذي يُعطي أكبر صلاحية رسمية — بل الذي يُحقق الكرامة والعدالة والصوت في الحياة اليومية للمواطن العادي.»
هذا يعني أن التصميم التقني للحكم الذاتي يجب أن يبدأ من المواطن لا من الدستور. يجب أن يسأل: ماذا يتغير في يوم هذا المواطن؟ كيف تبدو مدرسة ابنه؟ كيف يتعامل مع الإدارة؟ كيف يُسمّى؟ كيف يُحاسَب من يتصرف باسم الجهة؟
الانفصالي يريد شيئاً يمكن أن تُعطيه الوحدة
الرسالة التي يحملها هذا التحليل واضحة: الانفصالي، في الغالب، لا يريد دولةً. بل يريد كرامةً وعدالةً وصوتاً. وهذه الثلاثة يمكن أن تُعطى داخل دولة موحدة، إذا أُحسن تصميم الحكم الذاتي.
لكن — وهذا الشرط الجوهري — يجب أن يكون العطاء حقيقياً لا رمزياً، ومؤسسياً لا مراسيمياً، ودستورياً لا وعودياً. فالوعود التي لا تُترجم إلى واقع يومي تُنتج، مع الوقت، انفصاليين أكثر مما تُنتج موالين.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق