فصل دراسي في الرباط
في خريف عام 2024، جلستُ في قاعة محاضرات بإحدى كليات الرباط. كان الموضوع «الهويات الجهوية في المغرب». رفعتُ يدي وسألتُ الأستاذ: «هل تُدرّسون التاريخ الصحراوي قبل 1975 كجزء من التاريخ الوطني؟» صمتٌ. ثم أجاب بصراحة: «لا… المنهاج يبدأ من المسيرة الخضراء».
في تلك اللحظة، تذكرتُ شاباً صحراوياً في العيون قال لي: «أنا مغربي… لكنني أشعر أحياناً أن مغربيتي تبدأ من 1975، بينما تاريخي يمتد إلى قرون». هذه الجملة ليست شكوى انفصالية. بل هي شكوى هوية: شعور بأن جزءاً من الذات لا يزال خارج الإطار الرسمي للدولة.
هذا التحليل لا يطالب بـ«هوية منفصلة». بل يطالب بـهوية مزدوجة كاملة: الصحراوي المغربي. كما أن الأمازيغي مغربي لا رغم مغربيته، بل بفضل اعتراف الدولة بهويته، يمكن للصحراوي أن يكون مغربياً بكامل غنى هويته.
السؤال المحوري: كيف تبني هويةً مزدوجة لا تُلغي أياً من طرفَيها؟
الهوية ليست معادلة رياضية: إما أن تكون صحراوياً أو مغربياً. بل هي تركيبة عضوية أغنى من مجموع جزأيها. كما أن المغربي الأمازيغي لا يُلغي مغربيته بالعكس يُغنيها، والمغربي الصحراوي يمكن أن يكون هوية ممكنة ومُثمرة.
لكن هذا التركيب لا يُبنى بالشعارات. بل يحتاج إلى شروط مؤسسية تجعل الاعتراف بالخصوصية الصحراوية شرطاً للحوكمة، لا منّةً تمنحها الدولة وتسحبها حسب المزاج.
الشرط الأول: اللغة الحسانية في التعليم الرسمي
الدستور يُقرّ بالعربية والأمازيغية. لكن الحسانية — التي يتحدث بها مئات الآلاف من المغاربة في الجنوب — غائبة كلياً. هذا الغياب ليس «تفصيلاً لغوياً». بل هو غياب اعتراف بهوية.
الحل ليس أن تكون الحسانية «مادة اختيارية» أو «نشاط ثقافي». بل أن تكون لغة تدريس في المراحل الأولى من التعليم، كما يحدث للأمازيغية. الطفل الصحراوي الذي يدخل المدرسة ويجد لغته موجودة في الكتاب والمعلم يشعر أن الدولة تعترف به لا أنها تُعربه بالقوة.
الشرط الثاني: التاريخ الصحراوي الكامل في المناهج الوطنية
تاريخ الأقاليم الجنوبية في المناهج المغربية يبدأ عادةً من 1975. ما قبلها إما مُغيّب أو مُختزل. لكن التاريخ الصحراوي يمتد لقرون: ممالك، وطرق تجارية، وثقافة شفهية غنية، وعلاقات مع القبائل المجاورة.
إدراج هذا التاريخ في المناهج الوطنية — في مدارس العيون كما في مدارس الرباط — يعني أن الصحراوي ليس «مواطناً جديداً» بل جزء أصيل من النسيج التاريخي للمملكة. هذا الاعتراف يُغني الهوية المغربية كلها، لا يُضعفها.
الشرط الثالث: الاحتفاء المؤسسي بالثقافة الحسانية
الشعر الحساني، والموسيقى، والفنون التقليدية، والموروث الشفهي… كلها ثروة ثقافية وطنية. لكنها اليوم تُعامل أحياناً كـ«سياحة ثقافية» أو كـ«تراث محلي»، لا كـهوية وطنية تستحق دعماً مؤسسياً.
المطلوب: مهرجانات رسمية وطنية، ومراكز ثقافية مُموّلة، وأرشيف للموروث الشفهي، ودعم للفنانين الحسانيين. ليس كـ«استثناء» بل كـتكامل ثقافي يُظهر أن المغربية غنية بتعددها.
الشرط الرابع: التمثيل السياسي الصادق
الهوية المزدوجة لا تكتمل إذا بقي الصحراوي «مُمثلاً» في المناصب الكبرى بشكل رمزي أو شكلي. المطلوب مسؤولون صحراويون في مناصب وطنية كبرى: وزراء، وسفراء، وقضاة، ومدراء مركزيون.
ليس كـ«توزيع جغرافي»، بل كـاعتراف بالكفاءة والانتماء معاً. حين يرى الصحراوي أبناء جهته يتقلدون المناصب العليا بصدق، يشعر أن الهوية المزدوجة ليست نظرية بل واقع.
الشرط الخامس: التحرر من منطق الاشتباه
هذا الشرط أهمها جميعاً، وهو سوسيولوجي قبل أن يكون قانونياً. فالصحراوي الذي يتحدث عن هويته، أو يطالب بحقوق جهوية، أو ينتقد أداءً إدارياً، لا يجب أن يُعامل كـ«خطر محتمل» أو كـ«مشبوه».
منطق الاشتباه هذا هو الذي يُجبر الصحراوي على الاختيار: إما أن يُخفي هويته فيشعر بالغربة، أو أن يُعلنها فيُصنف. والحكم الذاتي الجيد يفترض أن المواطن يستطيع التعبير عن خصوصيته دون خوف.
«الصحراوي المغربي = هوية مُركَّبة أغنى من مجموع جزأيها. كما أن الأمازيغي لا يُلغي مغربيته — الصحراوي المغربي هوية ممكنة ومُثمرة.»
الاعتراف بالخصوصية شرط للحوكمة لا منّة
الهوية المزدوجة ليست «تنازلاً» من الدولة للصحراوي. بل هي شرط بقاء الوحدة في ظل عالم يتغير. فالدولة التي تُخفي خصوصية مواطنيها تُنتج غرباء. والدولة التي تعترف بها تُنتج شركاء.
الدستور الذي يضمن اللغة، والتاريخ الذي يشمل الجميع، والثقافة التي تُحتفى بها، والمناصب التي تُتاح بصدق، والمواطن الذي لا يُشتبه فيه… هذه ليست «هدايا». بل هي هندسة هوية تجعل الوحدة اختياراً طبيعياً لا إكراهاً سياسياً.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق