ما التوزيع الدقيق للصلاحيات الذي يُرضي الصحراويين دون أن يُهدد وحدة الدولة؟ ثلاثة مستويات واضحة: وطنية حصرية، وجهوية كاملة، ومشتركة بآليات تنسيق. وضمانة حاسمة: محكمة دستورية مختلطة. تحليل تقني بعد القرار 2797.
مكتب الوالي… وقرار المدرسة
في سنة ما لا أتذكرها أراد مجلس جهوي في الأقاليم الجنوبية تغيير منهاج تدريسي محلي لإدخال مادة ثقافية خاصة. لكن القرار توقف عند مكتب الوالي. لم يكن الوالي يعارض المضمون، لكنه كان ينتظر «التعليمات». و«التعليمات» تأتي من الرباط. والرباط منشغلة بملفات أخرى.
هذا المشهد البسيط يُلخّص مشكلة معمارية الصلاحيات في المغرب: الجهة تملك «النية» لكنها لا تملك «القرار». والمركز يملك «القرار» لكنه لا يملك «الرؤية المحلية». والنتيجة: شلل إداري يُحبط المبادرات ويُذكي الشعور بالإقصاء.
بعد القرار 2797، لم يعد السؤال: «هل نمنح صلاحيات؟» بل أصبح: «ما الصلاحيات بالضبط؟ ومن يُقرر ماذا؟ وكيف تُحل النزاعات حين تتقاطع؟»
السؤال المحوري: أين تبدأ صلاحية المركز وأين تنتهي صلاحية الجهة؟
الحكم الذاتي الناجح يقوم على توزيع واضح ودقيق للصلاحيات. ليس توزيعاً فضفاضاً يقول «للجهة التعليم والصحة»، بل توزيعاً تقنياً يحدد: ما التعليم؟ من المنهاج إلى التوظيف إلى الميزانية؟ وما الصحة؟ من البناء إلى التجهيز إلى التعاقد مع الأطباء؟
النموذج المقترح يقوم على ثلاثة مستويات واضحة المعالم:
المستوى الأول: الصلاحيات الوطنية غير القابلة للتفويض
هناك مجالات تبقى في يد الدولة المركزية حصراً، لأنها تمس السيادة والأمن والتماسك الوطني. هذه ليست «تصرفات» ضد الجهة، بل هي قاعدة قانونية تطبق في كل دولة موحدة ذات حكم ذاتي:
- الدفاع والأمن الخارجي: الجيش والاستخبارات الخارجية والحدود الدولية.
- السياسة الخارجية: العلاقات الدبلوماسية والاتفاقيات الدولية والتمثيل في المحافل الدولية.
- العملة والسياسة النقدية: البنك المركزي والعملة الوطنية والسياسة المالية الكلية.
- القضاء الدستوري: المحكمة الدستورية التي تفصل في مطابقة القوانين للدستور.
هذا المستوى يضمن أن الحكم الذاتي لا يتحول إلى «استقلال مقنع». فالدولة المغربية تبقى دولة واحدة ذات سيادة واحدة وعملة واحدة وتمثيل دولي واحد.
المستوى الثاني: الصلاحيات الجهوية الكاملة
هنا يكمن قلب الحكم الذاتي. فالجهة يجب أن تملك صلاحيات كاملة — لا استشارية — في المجالات التي تمس الحياة اليومية للمواطن مباشرة:
- التعليم: بما يشمل اللغة الحسانية في المراحل الأولى، والمناهج المحلية ضمن الإطار الوطني، وتوظيف المعلمين، وبناء المدارس، وإدارة الجامعات الجهوية.
- الصحة: المستشفيات الجهوية، المراكز الصحية، التعاقد مع الأطباء والممرضين، الوقاية من الأوبئة المحلية، التكوين الطبي الجهوي.
- الزراعة والصيد: دعم الفلاحين، تسيير الموانئ السمكية المحلية، حماية الموارد الطبيعية المحلية، التراخيص المحلية.
- السياحة والاستثمار المحلي: الترويج للوجهة، منح التراخيص السياحية المحلية، تسيير المناطق السياحية، جذب الاستثمار المحلي والصغير.
- الشرطة البلدية: النظام العام المحلي، المرور البلدي، الوقاية المدنية المحلية، الشرطة الإدارية الجهوية.
هذه الصلاحيات يجب أن تكون كاملة بمعنى أن الجهة تملك التشريع في نطاقها (قوانين جهوية)، والتنفيذ (إدارة جهوية)، والميزانية (موارد جهوية). ليس «تنفيذاً» لقرارات مركزية، بل قراراً جهوياً ملزماً.
المستوى الثالث: الصلاحيات المشتركة بآليات تنسيق
هناك مجالات لا يمكن أن تكون حصرية للجهة ولا حصرية للمركز. بل تحتاج إلى تنسيق واضح المعالم:
- البنية التحتية الكبرى: الطرق السيارة، السكك الحديدية، الموانئ الكبرى، المطارات، شبكات الماء والكهرباء الكبرى. تُخطط الجهة حاجاتها، وتُنفذ الدولة المشاريع، لكن بتشاور إلزامي وبتمويل مشترك.
- الموارد الطبيعية الكبرى: الفوسفات، النفط إن وُجد، الغاز، الثروات المعدنية الكبرى. تُدار بشكل مشترك: الدولة تضمن السيادة على الموارد، والجهة تحصل على نسبة دستورية من العائدات وتشارك في التخطيط المحلي.
- الاستثمار الأجنبي: المشاريع الكبرى التي تتجاوز حجم الجهة. تُعرض على الجهة لأخذ رأيها الملزم قبل التوقيع، وتشارك في لجان المتابعة.
المشترك هنا لا يعني «المركز يقرر والجهة تُبلغ». بل يعني آليات تنسيق مؤسسية: لجان مشتركة، واجتماعات دورية، وحق النقض الجهوي في المشاريع التي تمسه مباشرة.
الضمانة الحاسمة: محكمة دستورية مختلطة
كل هذا التوزيع — مهما دق — سيظل «حبراً على ورق» إذا لم تُنشأ آلية فصل مستقلة. فحين يتنازع المركز والجهة على صلاحية ما، من يفصل؟
الإجابة: محكمة دستورية مختلطة تضم قضاة وطنيين وقضاة جهويين وخبراء دوليين. هذه المحكمة تفصل في أي تنازع على الصلاحيات بشكل ملزم. بدونها، يعود القرار إلى «القوة» أو إلى «المفاوضات السرية»، وكلاهما يُضعف الحكم الذاتي.
«بدون محكمة دستورية مختلطة تفصل في أي تنازع على الصلاحيات، يبقى التوزيع حبراً على ورق.»
الوضوح هو الأمن
الحكم الذاتي الذي يُقنع لا يحتاج إلى «أكبر عدد من الصلاحيات». بل يحتاج إلى أوضح توزيع للصلاحيات. فالمواطن الصحراوي يريد أن يعرف: من يُقرر تعليم ابني؟ من يُقرر مستشفاي؟ من يُقرر موارد أرضي؟ وإذا اختلف المركز والجهة، من يفصل؟
الوضوح هنا ليس تقنياً فحسب. بل هو سياسي ونفسي. فالمواطن الذي يعرف حدود الصلاحيات يشعر بالأمان. والمواطن الذي يجد نفسه أمام غموض يشعر بالغربة. والغربة، مع الوقت، تتحول إلى مطلب انفصالي.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق