المؤسسات الست التي تجعل الحكم الذاتي حقيقياً في الصحراء المغربية… من البرلمان الجهوي إلى آلية الاستماع


الحكم الذاتي ليس شعارات، بل مؤسسات. ما هي الست مؤسسات التي إذا أُنشئت جعلت الحكم الذاتي ملموساً للمواطن العادي؟ تحليل مؤسسي تقني بعد القرار 2797.

المواطن والمؤسسة

في خريف 2024، سألتُ سائق طاكسي في الداخلة: «هل تعرف ما هو البرلمان الجهوي؟» أجاب: «نعم… هو ذلك المجلس الذي يجتمع في العيون ويُصدر بيانات». سألته: «هل صوّتت في انتخاباته؟» ضحك: «لا أعلم متى تُجرى، ولا أعلم من يُمثّلني».
هذا الحوار يُلخّص المشكلة المؤسسية في الحكم الذاتي الحالي: هناك هياكل على الورق، لكنها غير ملموسة للمواطن. فالحكم الذاتي الحقيقي لا يُقاس بعدد المجالس، بل بـمدى وصولها إلى حياة الناس.
في المقالات السابقة، تحدثنا عن النصوص الدستورية والمعادلات المالية. لكن النصوص والأرقام لا تبني ثقة إذا لم تترجم إلى مؤسسات تعمل كل يوم. هذا التحليل يقدم ست مؤسسات لا غنى عنها.

السؤال المحوري: ما المؤسسات التي تجعل الحكم الذاتي حقيقياً بالنسبة للمواطن العادي؟

المواطن لا يقرأ الدستور صباحاً. بل يتعامل مع المؤسسات: هل هناك من يستمع إليه؟ هل هناك من يُحاسَب؟ هل هناك من يقيس؟ هل هناك من يقرر؟
الإجابة تتطلب ست مؤسسات:

المؤسسة الأولى: البرلمان الجهوي المنتخب

لا مجلس استشاري يُعينه المركز. بل برلمان منتخب بالاقتراع المباشر يُصدر قوانين جهوية ملزمة في نطاق صلاحياته. هذا البرلمان هو أساس الحكم الذاتي: يُقرر الموازنة، يُشرف على التنفيذ، يُحاسب المسؤولين، ويُمثل إرادة السكان.
أساسه التعديل الدستوري الأول المقترح: «نظام جهوي ذاتي الحكم موسّع». بدون هذا الأساس، يبقى أي مجلس جهوي «هيئة استشارية» لا أكثر.

المؤسسة الثانية: مكتب الإحصاء الجهوي المستقل

«من لا يُقاس لا يُحاسَب.»
لا يوجد اليوم في الأقاليم الجنوبية مكتب إحصاء محلي مستقل يقدم بيانات موثوقة عن التعليم والصحة والبطالة والفقر والهجرة. والنتيجة: كل طرف يقدم أرقامه الخاصة، والمواطن لا يعرف الحقيقة.
المطلوب: مكتب إحصاء جهوي مستقل، يقيس ويُقيّم ويُصدر تقارير دورية عامة. الشفافية الإحصائية هي شرط أي ثقة. فكيف يُحاسب البرلمان الجهوي إذا لم يكن لديه أرقام دقيقة؟

المؤسسة الثالثة: صندوق الموارد الطبيعية المحلي

يتلقى الصندوق النسبة الجهوية المضمونة دستورياً من عائدات الفوسفات والصيد والطاقة المتجددة والسياحة. يُديره مجلس من المنتخبين والخبراء. ويُموّل أولويات يُحددها السكان أنفسهم: مستشفى في الداخلة، مدرسة في السمارة، طريق في العيون.
هذا الصندوق هو الجسر بين الموارد والمواطن. فالمواطن الذي يرى أن فوسفات أرضه يُبنى به مستشفاه يشعر بالعدالة. والذي لا يرى شيئاً يشعر بالظلم.

المؤسسة الرابعة: محكمة النزاعات الجهوية-الوطنية

حين يتنازع المركز والجهة على صلاحية ما، من يفصل؟ لا يمكن أن يكون القرار سياسياً أو إدارياً. بل يجب أن يكون قضائياً.
المطلوب: محكمة نزاعات جهوية-وطنية تفصل في أي تنازع على الصلاحيات بشكل ملزم. أساسها التعديل الدستوري الأول. وبدونها يبقى التوزيع حبراً على ورق.

المؤسسة الخامسة: مجلس الهوية الصحراوية

هيئة ثقافية-تشريعية بصلاحيات ملزمة في شؤون اللغة الحسانية والتراث والتعليم الثقافي. أساسها التعديل الدستوري الثالث (الاعتراف بالحسانية).
هذا المجلس ليس «نادياً ثقافياً». بل هو مؤسسة تضمن أن الهوية الصحراوية ليست «ترفاً» بل جزءاً من الحوكمة. يقرر المناهج الثقافية، يُشرف على الترجمة، يُدعم الفنون، ويحمي الموروث الشفهي.

المؤسسة السادسة: آلية الاستماع والشكاوى

قناة رسمية يُعبّر فيها المواطن عن مطالبه الاجتماعية دون أن تُصنف سياسياً. فالمطلب المحلي — ماء، كهرباء، توظيف، صحة — يجب أن يُعالج كمطلب خدماتي، لا كتهديد سياسي.
هذه الآلية تفصل بين «المطلب الاجتماعي» و«المطلب الانفصالي». فالمواطن الذي يجد قناة رسمية تستمع إليه وتحل مشكلته لا يحتاج إلى الانضمام إلى أي تيار آخر.

المؤسسات تجعل الوعد واقعاً

«الحكم الذاتي ليس شعارات — بل مؤسسات. ليس رؤى — آليات دستورية وتقنية. كل مؤسسة تجيب عن سؤال محدد يسأله المواطن كل يوم.»
البرلمان يُجيب: من يقرر؟ المكتب الإحصائي يُجيب: كيف نعرف؟ الصندوق يُجيب: من أين تأتي الموارد؟ المحكمة يُجيب: من يفصل حين نختلف؟ المجلس الثقافي يُجيب: من يحمي هويتي؟ آلية الشكاوى تُجيب: من يستمع إليّ؟
هذه الست إجابات، مجتمعة، تُشكل حكم ذاتي يعمل فعلاً. أما غيابها فيُنتج فراغاً تملأه اليأس أو الانفصال.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق