دستور 2011 والأقاليم الجنوبية - الأربع ثغرات الدستورية التي تُعيق الحكم الذاتي


 دستور 2011 يَعِد بجهوية متقدمة، لكنه يُعامل الأقاليم الجنوبية كأي جهة أخرى رغم وضعها الاستثنائي. أربع ثغرات دستورية بنيوية تُعيق الحكم الذاتي الحقيقي. تحليل تقني بعد القرار 2797.

مدرسة في العيون… ودستور في الرباط

في خريف عام 2024، دخلتُ مدرسة ابتدائية في العيون. على جدران القسم، خريطة المغرب كاملةً، من طنجة إلى الكويرة. وفي ركن الصف، لافتة تعليمية باللغتين: العربية والفرنسية. سألتُ المعلمة: «هل هناك حصص بالحسانية؟» أجابت بنبرة مُعتادة: «لا… الدستور يُقرّ بالعربية والأمازيغية».
هذه اللحظة الصغيرة تُجسد مفارقة دستورية كبرى. فالدستور المغربي لعام 2011، الذي يُعتبر إحدى أهم مراحل الإصلاح السياسي في المغرب، يحمل في طياته ثغرة عميقة: هو يَعِد بـ«جهوية متقدمة»، لكنه يُعامل الأقاليم الجنوبية كأي جهة أخرى، رغم أن وضعها استثنائي بموجب القرار الدولي 2797 وتاريخ النزاع الممتد.
المفارقة ليست مجرد «خطأ صياغي». بل هي نمط بنيوي يُعيق الحكم الذاتي الحقيقي قبل أن يبدأ. فالدستور الذي لا يُميّز بين جهة طنجة-تطوان-الحسيمة وجهة العيون-الساقية الحمراء، في ما يتعلق بالوضع الخاص، هو دستور يُفترض أن «التوحيد» يعني «التجانس»، بينما الواقع يقول إن العدالة أحياناً تقتضي التفريق المعقول.

المفارقة الدستورية الكبرى

الدستور 2011 يُعرّف المغرب في مادته الأولى بأنه «دولة موحّدة ذات جهوية متقدمة». هذا النص، رغم تقدميته النسبية، يحمل في طياته خلطاً بين مستويين:
المستوى الأول: الجهوية كمبدأ عام للحكم المحلي، تُطبق على كل الأقاليم بالتساوي.
المستوى الثاني: الحكم الذاتي الموسّع للأقاليم الجنوبية كإطار خاص يستجيب لالتزامات دولية وتاريخية.
الدستور، بصياغته الحالية، ينزل المستوى الثاني إلى المستوى الأول. فبرنامج «الجهوية المتقدمة»، الذي أُطلق تطبيقياً بعد 2011، حوّل مقترح الحكم الذاتي الخاص بالصحراء إلى نظام موحّد تتمتع فيه كل الجهات بمزيد من الحكم الذاتي. والنتيجة: الصحراء تُعامل كأي جهة أخرى.
لكن الأخطر ليس التجانس فحسب. بل أن الأقاليم الجنوبية، في إطار التقسيم الجهوي، مُوزَّعة على ثلاث جهات: العيون-الساقية الحمراء، وكلميم-واد نون، والداخلة-وادي الذهب. هذا التقسيم، إدارياً قد يكون منطقياً، لكنه سياسياً يُسهّل السيطرة المركزية ويُفرّق التحالفات السياسية الجنوبية. فالصحراوي الذي يريد التنسيق مع صحراوي في جهة مجاورة يجد نفسه أمام حدود جهوية صناعية لا علاقة لها بالواقع القبلي والاجتماعي.

أربع ثغرات دستورية بنيوية

التحليل التقني للدستور 2011 يكشف عن أربع ثغرات تُضعف الحكم الذاتي قبل أن يولد:
الثغرة الأولى: غياب الوضع الاستثنائي
لا توجد في الدستور مادة واحدة تُميّز الأقاليم الجنوبية عن بقية الجهات. لا نص يُشير إلى «الحكم الذاتي الموسّع»، ولا إلى «التنظيم الخاص»، ولا إلى الالتزامات الدولية للمملكة في هذا الملف.
هذا الغياب ليس شكلياً. فالدستور هو المرجع الأعلى. وما ليس في الدستور يبقى هشاً. فالمراسيم والقوانين التنظيمية يمكن تغييرها بكلمة حكومية. أما الدستور فيحتاج إلى إجماع أوسع. والحكم الذاتي المبني على مراسيم يُولد هشّاً. والحكم الذاتي المُؤطَّر دستورياً يُولد راسخاً.
الثغرة الثانية: الاستقلالية المالية ضعيفة وغير مضمونة
الدستور يمنح الجهات نسباً ضئيلة من الموارد المالية: 1% فقط من ضريبة الشركات، و1% من الضريبة على الدخل. وهذه النسب، في حد ذاتها، لا تكفي لتمويل مشاريع تنموية كبرى.
لكن الأخطر هو غياب أي نص دستوري يضمن للجهة الجنوبية حصة من عائدات مواردها الطبيعية. الفوسفات، والصيد، والطاقة المتجددة، والسياحة… كلها موارد تُستخرج من الأقاليم الجنوبية، لكن عائداتها تذهب إلى الخزينة العامة دون نص دستوري يضمن عودة نسبة عادلة إلى السكان.
في غياب هذا النص، تبقى الاستقلالية المالية وعداً تنفيذياً قابلاً للإلغاء في أي موازنة. والوعد التنفيذي، في عالم المال العام، هو أضعف ضمان.
الثغرة الثالثة: المجلس الوزاري بيد المركز دون تشاور جهوي إلزامي
الدستور 2011 يُنشئ مجالساً جهوية منتخبة، لكنه لا يُلزم الحكومة المركزية بالتشاور معها في القرارات الوطنية التي تمسّ صلاحياتها. فمشروع قانون يخص التعليم في الأقاليم الجنوبية، أو مشروع استثمار يخص مواردها الطبيعية، يمكن أن يُقرَّ في الرباط دون أخذ رأي الجهة.
هذا يعني أن الجهة تملك صلاحيات «على الورق»، لكن القرار يأتي من الوالي المعيَّن أو من الوزارة الوصية. اللامركزية الإدارية، بهذا الشكل، ليست حكم ذاتياً. بل هي امتداد للإدارة المركزية بزي جهوي.
الثغرة الرابعة: غياب اللغة الحسانية
الدستور يُقرّ في مادته الخامسة بالعربية والأمازيغية كلغتين رسميتين. لكنه يغيب اللغة الحسانية تماماً، رغم أنها هوية ثقافية مستقلة لا تندرج تحت الأمازيغية.
هذا الغياب ليس مجرد «إهمال لغوي». بل هو غياب اعتراف دستوري بالهوية. فاللغة ليست أداة تواصل فحسب، بل هي رمز للكرامة. والانفصالي، كما سنرى في المقالات القادمة، لا يريد دولةً فحسب، بل يريد الاعتراف بهويته. والدستور الذي لا يُسمّي هذه الهوية يُ leavingها عرضة للتجاهل أو للاستيعاب القسري.

لماذا هذه الثغرات مهمّة الآن؟

بعد القرار 2797، فتح البوليساريو باب الحديث عن قبول مبدئي للحكم الذاتي. هذا يعني أن المنافسة الآن ليست بين «الاستقلال والوحدة»، بل بين «حكم ذاتي حقيقي وحكم ذاتي صوري».
إذا بقي الوضع على ما هو عليه — جهوية عادية بلا تمييز دستوري، وبلا استقلالية مالية مضمونة، وبلا تشاور إلزامي، وبلا اعتراف بالحسانية — فإن الحكم الذاتي لن يُقنع الصحراوي الذي يريد أكثر من مجرد «لامركزية إدارية».
الدستور الذي يضمن لغة الصحراوي، والبرلمان الذي يُقرر شؤونه، والعائد المالي الذي يرى أثره في مدرسته ومستشفاه… هذا هو ما يجعل الوحدة اختياراً لا إكراهاً.

التعديل الدستوري ليس تنازلاً… بل تعزيزاً

«التعديل الدستوري ليس تنازلاً عن السيادة — هو تعزيزها. الدستور الذي يُؤطّر الحكم الذاتي الصحراوي قانونياً أقوى وأكثر استدامةً من الحكم الذاتي المبني على مراسيم يمكن إلغاؤها.»
هذه الحقيقة يجب أن تكون نقطة الانطلاق لأي مراجعة دستورية مقبلة. فالأقاليم الجنوبية لا تطلب «استثناءً» من الوحدة. بل تطلب اعترافاً دستورياً بخصوصيتها، ضمن إطار المملكة الموحدة. والاعتراف بالخصوصية ليس تفكيكاً للدولة، بل هو إدماج حقيقي يجعل المواطن الصحراوي شريكاً فاعلاً لا مجرد رقم في إحصاء جهوي.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق