صورة من أسمرا
في صيف عام 2024، التقط مصور وكالة فرانس برس صورة من شوارع أسمرا: شاب في العشرينيات من عمره يرتدي زياً عسكرياً، يقف أمام مبنى حكومي بالطراز الاستعماري الإيطالي. لا يبتسم. لا يتحدث. ينتظر. ليس في انتظار معركة، بل في انتظار إذن بالعودة إلى بيته.
هذا الشاب ليس استثناءً. في إريتريا، التجنيد الإلزامي غير المحدود المدة هو القاعدة. والشباب الذين حاربوا من أجل استقلال بلادهم قبل ثلاثين عاماً، يجدون أبناءهم اليوم محاصرين في آلة عسكرية لا تُطيق الانفتاح على العالم.
الصورة تبدو بعيدة عن الصحراء. لكنها، في الحقيقة، أقرب مما يبدو. فالسؤال الذي تطرحه إريتريا على كل ناشط في الحركات الانفصالية — وعلى كل صانع قرار في المغرب — هو: ماذا يحدث حين ينتهي العدو المشترك ويبقى الوطن الوليد بلا عدو يُجمّع ولا رؤية تُبني؟
السؤال المحوري: انتصار ثلاثين عام… ثم ماذا؟
في 24 ماي 1993، رفعت إريتريا علمها للمرة الأولى. كانت نهاية حرب تحرير استمرت ثلاثين عاماً ضد إثيوبيا. العالم، وخاصة الحركات التحررية في أفريقيا، احتفل بالنموذج: شعب صغير هزم إمبراطورية كبرى بالصمود والإرادة.
لكن الاحتفال لم يدم. ففي غضون ست سنوات فقط — ست سنوات — تحولت العلاقة مع «الدولة الأم» من دفء المصالحة إلى حرب جديدة دمرت كل شيء. وفي غضون عشرين عاماً، تحول قادة التحرير إلى أقسى سجانين. واليوم، تُصنف إريتريا ضمن أكثر الدول انغلاقاً على مستوى العالم.
كيف يحدث هذا التحول؟ ولماذا يجب أن يهمنا في سياق الصحراء المغربية؟
الوقائع الموثقة: أربع مراحل في انهيار الحلم
المرحلة الأولى: العسل المُر (1993-1997)
في السنوات الأولى بعد الاستقلال، بدا المستقبل واعداً. إريتريا تملك ميناءً استراتيجياً (عصب). وعلاقتها مع إثيوبيا، التي ساعدتها في التحرير، كانت دافئة. الرئيس إسياس أفورقي، بطل التحرير، كان يُنظر إليه كقائد عصامي.
لكن سرعان ما ظهرت الشقوق. إريتريا أصدرت عملتها الخاصة (الناكفا)، وفرضت رسوماً على إثيوبيا لاستخدام ميناء عصب. إثيوبيا، التي فقدت منفذها البحري، بدأت تبحث عن بديل. والبديل كان جيبوتي. وهكذا، في غضون سنوات، تحولت العلاقة الاقتصادية بين «الأختين» إلى منافسة جيوسياسية.
المرحلة الثانية: الحرب التي لم يكن أحد يتوقعها (1998-2000)
في ماي 1998، اندلعت حرب بين إريتريا وإثيوبيا حول بلدة بادمي الحدودية. كانت الحرب، في جوهرها، ليست عن أرض، بل عن الهيمنة الإقليمية. دولة الاستقلال لم تعد قناعاً للتحالف القديم، بل أصبحت خصماً جديداً.
الحرب دمرت الاقتصاد الوليد. مئات الآلاف قُتلوا. والأخطر: الأمم المتحدة فرضت عقوبات على إريتريا بسبب رفضها سحب قواتها من المناطق المتنازع عليها. دولة التحرير، التي كانت تطلب الحماية الدولية، وجدت نفسها محاصرة دولياً.
المرحلة الثالثة: الانغلاق كسياسة دولة (2001-الآن)
بعد الحرب، بدلاً من أن تفتح إريتريا أبوابها للإصلاح السياسي، انغلقت أكثر. في 2001، اعتقلت السلطة قادة «مجموعة الـ15» — وهم قدامى مقاتلي التحرير طالبوا بالديمقراطية. ومنذ ذلك الحين، لم تُجرَ أي انتخابات. لم يُنشأ أي برلمان. لم تُسمح بأي أحزاب معارضة.
التجنيد الإلزامي، الذي كان مبرراً في زمن الحرب، أصبح أبدياً. الشباب لا يُسرحون. والذين يحاولون الهروب يواجهون عقوبات صارمة. إريتريا، التي كانت «دولة التحرير»، أصبحت سجناً مفتوحاً يهرب منه سكانها بأي وسيلة.
المرحلة الرابعة: الاعتماد الاقتصادي على المحيط
اليوم، تعتمد إريتريا اقتصادياً على التعدين (الذهب والنحاس) وعلى المساعدات المحدودة. لكنها لا تزال، جغرافياً واقتصادياً، رهينة إثيوبيا. فحين وقعت إثيوبيا اتفاق السلام مع جيبوتي وإريتريا في 2018، كان ذلك بوساطة سعودية-إماراتية، لا بإرادة إريترية مستقلة.
الدرس للصحراء المغربية: الاستقلال لا يُلغي الاعتماد
تطبيق منطق إريتريا على الصحراء المغربية يُظهر مخاطر بنيوية لا يمكن تجاهلها:
أولاً: العلاقة مع «الدولة الأم» لا تنتهي بالاستقلال
إذا افترضنا، افتراضاً نظرياً، استقلال صحراوي. هل ستنتهي العلاقة مع المغرب؟ الإجابة: لا. بل ستتحول من علاقة «سلطة ومنطقة» إلى علاقة «دولة ودولة»، وهي علاقة أشد تعقيداً وأكثر عرضة للصراع. المغرب سيظل الشريك الجغرافي الوحيد: البحر على جهة، والصحراء على الجهة الأخرى. والمنافذ البرية كلها تمر عبر المغرب أو موريتانيا.
الصحراء، مثل إريتريا، ستحتاج المغرب اقتصادياً وجغرافياً حتى بعد الاستقلال. لكن بدلاً من أن تكون هذه العلاقة «إدارية»، ستصبح دبلوماسية، أي أكثر هشاشة وأقل استقراراً.
ثانياً: قادة المخيمات ليسوا بالضرورة قادة دولة
إسياس أفورقي كان بطلاً شعبياً. لكن مهارة قيادة الحرب ليست مهارة بناء السلام. البوليساريو أدار مخيمات لعقود. لكن إدارة مخيمات — حيث التوزيع مركزي والقرار عسكري والموارد تأتي من الخارج — لا تُعدّ قادة لإدارة دولة ذات حدود وموارد وعملة وعلاقات دولية.
ثالثاً: التجنيد الإلزامي… نموذج محتمل
في دولة صحراوية مستقلة، محاطة بجيران أقوياء، وتواجه تحديات أمنية حقيقية، ما هو الحل الطبيعي؟ الجيش الدائم. والجيش الدائم في دولة صغيرة، بلا تقليد ديمقراطي، يتحول بسهولة إلى آلة سيطرة. إريتريا تُعلمنا أن «الأمن» يمكن أن يكون غطاءً لإلغاء الحريات.
رابعاً: الاعتماد على مورد واحد والمحفزات الخارجية
إريتريا تعتمد على الذهب والمساعدات. والصحراء، لو استقلت، ستعتمد على الفوسفات والصيد. لكن هذه الموارد تحتاج بنية تحتية وبنية تحتية تحتاج استقرار. والاستقرار، في دولة وليدة بلا مؤسسات، هو أول ضحية للصراع الداخلي.
الاستقلال الذي يُعقّد الاعتماد لا يُلغيه
إريتريا تُعلمنا درساً مركزياً: الاستقلال لا يُلغي الاعتماد على الجيران، بل يُعقّده. فالعلاقة بين دولتين مستقلتين أكثر هشاشة من العلاقة بين دولة وإقليمها. والاعتماد الاقتصادي والجغرافي، حين يتحول من «حقوق مواطنة» إلى «مفاوضات دبلوماسية»، يصبح أداة ضغط لا أداة تنمية.
الصحراوي الذي يحلم بالاستقلال قد لا يدرك أنه، عملياً، سيظل يعتمد على المغرب في كل شيء: الكهرباء، والماء، والطرق، والأسواق، والموانئ. لكن بدلاً من أن يكون هذا الاعتماد «مُدارةً داخلياً»، سيصبح «مُفاوضاً دولياً»، أي أكثر تكلفة وأقل ضمانة.
«الاستقلال الذي يولد دولة هشة محاطة بجيران أقوياء، ليس تحريراً بل تحويلاً للسجن من مخيم إلى حدود.»

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق